الشيخ محمد رشيد رضا

14

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأنفسهم كانوا كلهم من المؤمنين الصادقين ، ليس فيهم منافق كما قلنا من قبل ، إذ لم يكن للنفاق في ذلك الوقت مقتض ولا سبب ، ولا للهجرة والجهاد داع غير الاخلاص في الايمان وإقامة بناء الاسلام ، وإن كان هؤلاء يتفاضلون في السبق وفي غيره من الاعمال ، فأفضلهم الخلفاء الأربعة فسائر الذين بشرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة بأشخاصهم ، وما كل سابق أفضل من كل مسوق ، ومن السابقين بالايمان من سبقه غيره بالهجرة ، وأول من آمن على الاطلاق خديجة [ رض ] لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغها خبر بعثنه قبل كل أحد فصدقت وآمنت ، ويليها من كان معه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيتها ، وهم علي وكان ابن 10 سنين ، وزيد بن حارثة ، ومن خارجه أبو بكر الصديق [ رض ] والمشهور انه أول من آمن من الرجال ، ولا خلاف في أنه آمن عندما دعاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغير أدنى تريث أو تردد ، ولا في أنه أول المهاجرين مع الرسول كما تقدم في تفسير آية الغار ، وأول لدعاة إلى الاسلام مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( الطبقة الثانية ) السابقون الأولون من الأنصار وهم الذين بايعوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند العقبة في منى في المرة الأولى سنة احدى عشرة من البعثة وكانوا سبعة ، وفي المرة الثانية وكانوا سبعين رجلا وامرأتين ، وبليهم الذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم من قبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين وارسله مع أهل العقبة الثانية سنة اثنتي عشرة من البعثة وكذا من آمن عند قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقبل أن تكون للمسلمين قوة غالبة تتقى وترتجى ، وهذه القوة رسخت عقب هجرته صلّى اللّه عليه وسلّم وصار بعض أهل المدينة يظهرون الاسلام نفاقا بدليل قوله تعالى في الآيات التي نزلت في شأن غزوة بدر وكانت في السنة الثانية ( 8 : 49 إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ ) ولم يكن فيهم أحد من المهاجرين ولا من الأنصار السابقين وان كانوا كلهم من الأوس والخزرج ( الطبقة الثالثة ) الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الهجرة والنصرة اتباعا باحسان ، أو محسنين في الافعال والأقوال ، فتضمن هذا القيد الشهادة للسابقين بكمال الاحسان لأنهم صاروا فيه أئمة متبوعين ، وخرج به من اتبعوهم في ظاهر الاسلام مسيئين غير محسنين في هذا الاتباع وهم المنافقون ،